السيد محمد تقي المدرسي
179
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
طاقات الإنسان لا تحد ولا تنتهي انما هي قضية الإيمان بهذه الطاقات والثقة بها ، كما أن القضية ليست في تطلع الإنسان إلى تحقيق الحرية والاستقلال ، إذ إن هذا التطلع هو أسمى فطرة ركزها الله في طبيعة البشر ، لا تحد ولا تنتهي ولو بلغ الإنسان الثريا ل - ( تطلع ) إلى نجمة أرفع . . ولو أوتي ملك الدنيا ل - ( تطلع ) إلى ملك الآخرة . . ولو وهب خزائن الأرض لأمسك خشية الانفاق ، وحبا في المزيد ، وليس من بشر يتنازل عن حريته طوعا ، ولكن يكره إكراها يسلبه إيمانه بذاته ، وثقته بقدرته على ممارسة حريته . فالقضية - إذا - قضية ثقة ، ومن هنا كان الطغاة يسعون أبدا إلى إشعار ضحاياهم - من الشعوب - أنهم لا يقدرون على مقاومتهم ، إذ بمجرد هذا الشعور ، يستسلم الإنسان لواقعه الفاسد ، فكرا وسلوكا . ومفتاح الأمر آنئذ ( في الثقة ) إذ انها تدفع الإنسان إلى تفجير طاقاته ، واستغلالها في مقاومة ضغوط الطغاة . وإذا تخلص الإنسان من خشية الطغاة ، استعاد حريته ، وإستثمر عقله ، وملك حياته وستقلاله . التوكل ؛ ثقة لا تحد : ويبقى السؤال الكبير : من أين نكتسب الثقة بالإيمان بالله ، والتوكل عليه ، وكيف ؟ حين نؤمن بأنه رب السماوات والأرض ، رب العالمين ، بيده ملكوت السماوات والأرض ، وإليه يرجع الأمر كله ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، يعز من يشاء ويذل من يريد ، ينصر عباده بالغيب ، ينصر من ينصره ، ويحب من يحبه ويتوكل عليه ، ويعين من يستعين به . وحين نعرف أن الله واسع لا تحد عطاه العطايا ، حين نؤمن بالله إيمانا حقيقيا « 1 » ، ونعرف أن الله عليم حيكم ، وليس بظلام للعبيد ، لا يمنع ولا يعطي
--> ( 1 ) - يصف الإمام علي عليه السلام ربه فيقول : الحمد لله الذي لا يفره المنع ، ولا يكديه الاعطاء ، إذ كل معط منتقص ، سواه ، الملئ بفوائد النعم ، وعوائد المزيد ، وبجوده ضمن عيالة الخلق ، فأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه ، فليس بما سئل أجود منه بما لم يسأل . وما اختلف عليه دهر فتختلف منه الحال ، ولو وهب - ما تنفست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلز اللجين ، وسبائك العقيان ، ونضائد المرجان - لبعض عبيده ، لما آثر ذلك في جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الافضال ما لا ينفده مطالب السؤال ، ولا يخطر - لكرمه - على بال ، لأنه الجواد الذي لا تنقصه المواهب . ( البحار ، الجزء 4 ، ص 274 ) .